تسلّط الكاتبة كاميلا أوليفييري الضوء على التصعيد غير المسبوق الذي يواجهه الصحفيون الفلسطينيون خلال الحرب على غزة، مؤكدة أن القطاع أصبح أخطر مكان في العالم على العاملين في وسائل الإعلام. وترى أن حجم الانتهاكات التي طالت الصحفيين كشف حدود القانون الدولي وعجز المؤسسات الدولية عن توفير الحماية أو تحقيق المساءلة.
وأشار موقع المنصة في تقريره إلى أن غزة تحولت، بحسب وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، إلى "فخ للموت" بالنسبة للصحفيين. ومع استمرار الحرب التي اندلعت عقب هجمات السابع من أكتوبر، منعت إسرائيل دخول معظم الصحفيين الأجانب إلى القطاع، بينما واصل الجيش الإسرائيلي استهداف الصحفيين الفلسطينيين الذين يغطون الأحداث ميدانياً.
استهداف الصحفيين وتآكل الحماية القانونية
ارتفع عدد الصحفيين والعاملين في الإعلام الذين فقدوا حياتهم في فلسطين ولبنان ومناطق أخرى من المنطقة إلى أكثر من 263 شخصاً، ما جعل الجيش الإسرائيلي مسؤولاً عن نسبة كبيرة من عمليات قتل الصحفيين عالمياً خلال السنوات الأخيرة. ورغم أن اتفاقيات جنيف تمنح الصحفيين صفة المدنيين وتكفل حمايتهم أثناء النزاعات المسلحة، فإن هذه الضمانات القانونية لم تنجح في وقف الاستهداف المتكرر.
وصنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" فلسطين بوصفها أخطر مكان على الصحفيين في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026. وأصبح الستار الأزرق الذي يحمل كلمة "صحافة"، والذي مثّل لعقود رمزاً للحماية القانونية، علامة لا تمنع الاستهداف بل قد تزيد من مخاطره في الميدان.
توثيق واسع ومساءلة متعثرة
واصلت منظمات دولية عدة، من بينها لجنة حماية الصحفيين والاتحاد الدولي للصحفيين ومنظمة مراسلون بلا حدود، جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين. وقدمت هذه الجهات ملفات وشكاوى متعددة إلى المحكمة الجنائية الدولية، مدعومة بشهادات ووثائق قانونية تستوفي المعايير المطلوبة للتحقيقات الدولية.
وأكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان خلال عام 2025 أن الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين تدخل ضمن نطاق التحقيق الجاري بشأن فلسطين. كما ساهمت نقابات الصحفيين الفلسطينية واللبنانية في ربط الضحايا والشهود بالمنظمات الدولية وتزويد الهيئات القضائية بالمعلومات اللازمة.
ورغم هذا التراكم الكبير من الأدلة، لا تزال القضايا تتحرك بوتيرة بطيئة. ويبرز اغتيال الصحفية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة مثالاً واضحاً على هذا التعثر، إذ لم تصل التحقيقات إلى محاسبة أي مسؤول بعد سنوات من وقوع الحادثة، رغم توفر كم كبير من الشهادات والأدلة.
ضغوط سياسية تعرقل العدالة الدولية
يربط التقرير بين بطء إجراءات المحكمة الجنائية الدولية وبين الضغوط السياسية التي تمارسها قوى دولية داعمة لإسرائيل. فالمحكمة تعتمد على تعاون الدول الأعضاء لتنفيذ قراراتها، بينما ترفض إسرائيل الاعتراف باختصاصها، الأمر الذي يزيد تعقيد الإجراءات القانونية.
كما واجهت المحكمة ضغوطاً مباشرة خلال السنوات الأخيرة، شملت تهديدات وعقوبات وإجراءات استهدفت مسؤولين قضائيين، بالتزامن مع حملات سياسية وإعلامية هدفت إلى إضعاف مسار التحقيقات. ويرى خبراء قانونيون أن هذه التدخلات لا تؤخر العدالة فحسب، بل تقوض ثقة الضحايا في قدرة المؤسسات الدولية على إنصافهم.
ويؤكد التقرير أن المنظمات الحقوقية والصحفية استنفدت تقريباً جميع الأدوات المتاحة لها، بدءاً من التوثيق والدعم القانوني ووصولاً إلى التحرك داخل الأمم المتحدة والمحاكم الدولية. ومع ذلك، ما زالت الحماية الفعلية للصحفيين غائبة، فيما تستمر الانتهاكات دون رادع واضح.
ويخلص التقرير إلى أن حجم استهداف الصحفيين في غزة لا يملك سابقة مماثلة في النزاعات الحديثة، وأن استعادة المعنى الحقيقي للحماية التي يفترض أن يوفرها القانون الدولي للصحفيين تتطلب آليات جديدة أكثر فاعلية من كل ما جرى تطبيقه حتى الآن.
https://almanassa.com/en/stories/32009

